أبي الفرج الأصفهاني
37
الأغاني
رأسه مرّة ، ومنكبيه أخرى ، ويشير بكمّه ، ويقف عند كل بيت ، ويقول : أحسنت واللَّه ، ثم يقبل على المستمعين ، فيقول : ما لكم لا تقولون أحسنت ؟ هذا واللَّه ما لا يحسن أحد أن يقول مثله : فضجر المتوكل من ذلك وأقبل عليّ ، وقال : أما تسمع يا صيمريّ ما يقول ؟ فقلت : بلى يا سيّدي ، فمرني فيه بما أحببت ، فقال : بحياتي أهجه على هذا الرّويّ الذي أنشدنيه ، فقلت : تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول ، فدعا بداوة وقرطاس ، وحضرني على البديهة أن قلت : أدخلت رأسك في الرّحم وعلمت أنّك تنهزم يا بحتريّ حذار ويحك من قضاقضة ضغم [ 1 ] فلقد أسلت بواديي ك [ 2 ] من الهجا سيل العرم فبأيّ عرض تعتصم وبهتكه جفّ القلم ؟ واللَّه حلفة صادق وبقبر أحمد والحرم وبحقّ جعفر الإما م ابن الإمام المعتصم لأصيّرنّك شهرة بين المسيل إلى العلم / حيّ الطَّلول [ 3 ] بذي سلم حيث الأراكة والخيم يا بن الثّقيلة والثق يل على قلوب ذوي النّعم / وعلى الصغير مع الكب ير من الموالي والحشم في أي سلح ترتطم وبأيّ كفّ تلتقم ؟ يا بن المباحة للورى أمن العفاف أم التّهم [ 4 ] إذ رحل أختك للعجم وفراش أمّك في الظَّلم وبباب دارك حانة في بيته يؤتى الحكم قال : فغضب ، وخرج يعدو ، وجعلت أصيح به : أدخلت رأسك في الرّحم وعلمت أنّك تنهزم والمتوكل يضحك ، ويصفّق حتى غاب عن عينه . هكذا حدثني جحظة عن أبي العنبس . ووجدت هذه الحكاية بعينها بخط الشاهيني حكاية عن أبي العنبس ، فرأيتها قريبة اللفظ ، موافقة المعنى لما ذكره جحظة ، والذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس قال هذه الأبيات ارتجالا ، وكان واقفا خلف البحتريّ ، فلما ابتدأ وأنشد قصيدته :
--> [ 1 ] القضاقض : الأسد ، وجمعه قضاقضة ، وضغمه : عضه بملء فيه ، فهو ضاغم ، وجمعه ضغم . [ 2 ] ب ، مم : « بوالديك » والمثبت من ف . [ 3 ] ب ، س : « حيث الطلول » . [ 4 ] ب : « أمن العقاب أم الفهم » والمثبت من مم ، ف ، والمستفهم عنه ما ورد في البيتين التاليين .